Menu

لطائف بلاغية


 بقلم د. أحمد فتحي الحياني
أستاذ بكلية الآداب
جامعة الموصل

” … أَكْرِمِي مَثْوَاهُ … ” .

هذه الجملةُ القرآنيةُ وردت مرَّةً واحدةً في قوله — تعالى — في سياقِ قصةِ يوسفَ – عليه السلام – : ” وَقَالَ الَّذِي اشتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ لامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا… ” يوسف/٢١ .
وقد صِيغَ نَظْمُ هذه الجملةِ صياغةً مُوجَزَةً تنطوي على أكثر من معنى .
وَأكْرِمِي : فعل أمر صادر من (عزيز مصر ) الذي اشترى يوسفَ ، أمر لامرأته ( زَلِيخة ) بإكرامِ يوسفَ على أحسنِ وجهٍ من الإقامةِ والضيافةِ والتقريب .
والمَثوى : هو مكانُ الإقامةِ والاستقرارِ الذي يثوي إليه الثاوي . ويُمكن أن تُفهَمَ هذه الجملةُ بأنَّها (كناية ) عن حالِ الإقامةِ عندهما ، كما قال بذلك بعضُ المفسرين .
ويُمكن أن تُفهَم على أنها تعبيرٌ مجازيٌّ مُرسَلٌ بإطلاق المَحَلِّ : ( مَثوَى ) وإرادةِ الحالِّ أو الثاوي فيه بعلاقة ( المحلية ) لبلاغةٍ مناسبةٍ لصاحب المثوى والثاوي بتصوير المعنى أولا :
بإكرامِ يوسفَ إكرامًا خاصًّا والحفاوةِ به حفاوةً من نوع خاص ، وذلك إذا كان مَحَلُّ إقامتِه مُكرَّمًا فكيف بيوسف الثاوي في ذلك المثوى ، أو النازل فيه ؟ . فدلَّت هذه الجملةُ ببيانِها بذكر المحلِّ وإرادة الحالّ فيه على تكريم خاص كامل في نوعه :
إحسانًا وعِزًّا ليوسفَ وحظوةً ورفعةً .
والجملةُ بهذا التوجيهِ البلاغيِّ ثانيًا تكشِفُ عن الجانب النفسي والاجتماعي المهم من شخصية (عزيز مصر ) بوصفه رجلَ سياسةٍ وتدبيرٍ كان طامِحًا إلى اتِّخاذِه ولدًا كما صرَّحت الآيةُ بذلك ، ولكنْ بعدَ تفرُّسِهِ في ملامحِ هذا الغلام التي رآها بفراسته بأنَّها مؤذنةٌ بتميُّزِهِ وكمالِه من بين الغلمانِ أيامَئِذٍ .
وكَشَفَت الجملةُ كذلك وقبل كلِّ شيءٍ عن لطفِ اللهِ ورعايَتِه لعباده المخلَصين للنبوَّة والرسالةِ بتدبيرِه لهم أحسنَ الأسبابِ وألطفَها وتسخيرِها لهم لبلوغِ مايريدُه اللهُ بهم من تبليغِ رسالاتِه للناسِ بلطفِه ورحمتِهِ – سبحانه – وعلمِه وحكمَتِه ، وأنَّ إرادتَه هي النافِذَةُ ، وأنَّها فوقَ كُلِّ الإراداتِ .

Categories:   الإعجاز فى القرأن و السنة

Comments