Menu

سر أسرار كل شيئ

بقلم : طارق أحمد مصطفى

منذ هبط الإنسان على سطح الأرض وهو يسعي لتفسير ظواهر الكون، ويبحث عن السبب الذي يقف وراء كل مظاهر الحياة. يفكر الإنسان ويسعى دائماً لكي يفهم كل الظواهر الطبيعية والنفسية والاجتماعية التي تصادفه. ونحن كذلك نمارس نفس العملية كل يوم لنفهم ونستوعب ما يصادفنا فى حياتنا اليومية:
لماذا يفعل فلان ذلك ؟! . . ولماذا يمتنع عن فعل ذاك ؟!
ما المنطق الذي يختفي وراء تلك الأشياء والأفعال جميعها ؟!
ولا يرضى الإنسان عادةً عما وصل إليه من معرفة، وكلما وصل لسبب أراد أن يعرف السبب الأسبق، وكلما أصاب فهماً أراد أن يصل لفهم أعمق، يريد دائماً أن يعرف السر الذي يمكنه أن يفسر كل شيئ، تلك المعرفة التي ترتاح لها العقول، وتطمئن لها القلوب. وإذا كان البحث العقلي قد زاد من حيرة الإنسان، فإن التأمل الروحي كان لديه تفسيراً مريحاً مطمئناً لمن اشتغلوا به. وقد أرشدنا أرباب الذوق الروحي أن سر أسرار كل شيئ يكمن في “الحب”. فالحب يفسر البناء والنمو والإقبال، و”الكراهية” – وهي نقيض الحب – تفسر الهدم والنقص والتراجع.
انظر إلى ماء المطر، لم يخبره أحد عن أماكن البحيرات ومجاري الأنهار كي يسيل إليها، ولكنه اختبر بنفسه المواضع الواطئة والمسارات اللينة فاتخذها وعاءاً ومجرى، وذلك مظهر للحب. تأمل فى قانون الجاذبية الذي يجبر الأجسام على الهبوط على سطح الأرض ويعيدها إليه كلما انفصلت عنها، وذلك الانجذاب هو ما يفعله الحب بالمحبين. انظر إلى انفصال الأوراق الذابلة عن أشجارها بعدما افتقدت عطاءها من الغذاء، وهذا مثل ما يحدث عندما يُفتقد الحب.
وكما هي الطبيعة، كذلك الإنسان، إلا أن الأمر عند الإنسان أكثر تعقيداً. فكل الناس تحب وتكره، ولكن هناك أناس يحركهم الحب وآخرون تحركهم الكراهية. هناك أناس الحب لديهم هو المتغير المستقل والكراهية هى المتغير التابع، وهناك العكس. هناك أناس تحب أشياء، ومن ثَم تكره كل ما يعكر ما تحب. بينما هناك أناس تبدأ بالكراهية، ثم تحب كل ما يؤكد كراهيتها. فما الذين يعنيه الحب، وما الذي تعنيه الكراهية؟
الحب يعنى أمل ، إيمان ، عطاء ، سلام ، رحمة ، تسامح ، تعايش ، تَقَبُّل ، مساعدة ، ستر ، عطف ، تحمل مسئولية. بينما الكراهية تعنى إحباط ، كفر ، بُخل ، حرب ، قسوة ، انتقام ، تشفى ، غِل ، فضح ، تجاهل ، أثرة ، تنافسية ونزعة للتميز والتفوق على حساب الآخرين.
ولا يجتمع فى قلب الإنسان حب وكراهية. فالحب احساس رهيف إذا خالطته الكراهية تحول إليها، كالماء الطاهر إذا خالطته النجاسه فستنجسه. والكراهية ليست هي الفطرة التي فطر الله تعالى الكون عليها، ولكنها من فعل الإنسان، “ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ” (الروم/41). فالحب هو فطرة الله، بينما الكراهية هي طبع الشيطان.
الكراهية انفعال شره، يجعل صاحبه لا يشبع أبداً، كالذى يشرب من ماء البحر من المستحيل أن يروى ظمأه، بينما الحب – على العكس من ذلك – كالماء العذب تفسده أقل ملوحة.
“الحب” شيئ عزيز لا يأتي إلا لمن يطلبه ويستعد له، بينما الكراهية كالمرض تُعدي، وأحياناً تكون العدوى من القوة بحيث تنتشر وتتفشى كالوباء، فإذا لم تظهر قوة مقابلة تحافظ على منسوب أعلى من الحب تكون تلك هي الطامة الكبرى على المجتمعات.
“الكراهية” هى كلمة السر وراء كل أزمات العالم، ولننظر إلى واقع بلادنا فى الأعوام الماضية، سنرى أننا غرقنا حتى آذاننا في الطاقة السلبية، واستولت على كثير منا طاقة الكراهية والحقد والغل والتنازع، سنجد أن الكراهية قد جمعت الناس بينما الحب فرقهم. فالملايين تجمعوا على كراهية الطغاة ثم تفرقوا أحزاباً وتيارات وفصائل أمام حب الوطن، وكان أجدر بهم أن يتجمعوا على محبة الوطن والحرية والعدل، وألا يتركوا الحقد والحسد والتنافس ليفرقهم.
وكان على الأسوياء في تلك المرحلة أن يبادروا بإشاعة الحب، وأن يقدموه لمَن تقبل به قلوبهم، حتى وإن بدت عليهم أعراض عارضة من الكراهية. أما من أوغلوا فى الكراهية، فطُمست فطرتهم وعميت بصيرتهم، وحصّنوا كراهيتهم نفسياً ومادياً، وصاروا مستعدين للدفاع عنها بكافة السبل، فهؤلاء صاروا قنابل موقوتة، لا حل أمام العقلاء سوى عزلهم عن المجتمع حفاظاً عليه من العدوى. وعلى العقلاء والأسوياء – في هذه الأجواء – أن يساعد بعضهم بعضاً على التحرر من هذا الوباء للنجاة بأنفسهم وبمن يحبون. ولكن قبل أن يساعد أي منا غيره عليه أولاً أن يطهر نفسه من أي مشاعر كراهية وغضب وحقد ضد الآخر، لأن تلك الطاقة السلبية اللى توجهها للغير سترتد إليك وستؤذيك أنت قبل أن تؤذي ذلك الآخر.
وقد رأينا كثيرين في تلك الأزمة التي تمر بها أمتنا لم يهتموا بالتشافي من أثار تلك الكراهية ولم يستجيبوا لمن يدعوهم للحب والإيجابية، بل وجدناهم يغمرون أنفسهم فيها أكثر وأكثر، وانتقلوا في كثير من الأحيان من خانة المواجهة الشريفة إلى خانة الإجرام، وأصابت كراهيتهم غيرهم من ضعاف النفوس بالعدوى، فشاعت بلوى الكراهية وعمت فوضى الحقد والحسد. وفي تلك الحالة، كان على مَن لازالت قلوبهم قادرة على التقاط إشارة الحب أن ينعزلوا عن هذه البيئة المريضة، ويعتزلوا الفرق المتناحرة. والعزلة هنا قد تكون عزلة مادية أو نفسية، وفي الحالتين فإنه على من يستطيع أي منهما أن يسارع إليها بلا تأجيل، وهو ما وجهنا إليه النبي صلى الله عليه وسلم فى أوقات الفتن.
ولعل أكتر ما يُصيب المرء بالرعب، أن تجد أناس عاديين يشبهوننا، تراهم طيبين، ودعاء، خفيفي الظل، وأصحاب مروءة، ولكن نتيجة لقسوة تحيزاتهم و إسرافهم على أنفسهم، تجدهم فجأة يتصرفون بمنتهى الانحراف والوضاعة والوحشية، في مواقف ألقى بهم القدر فيها دون أي ترتيب مسبق أو سبق إصرار وترصد. وليس بالضرورة أن يفعلوا تلك التصرفات بأيديهم، ولكن ربما يكون التصرف بتأييدهم أو تساهلهم أو مجاراتهم أو شماتتهم أو إطلاق ألسنتهم. ومكمن الرعب هنا أننا نراهم يفعلون ذلك وهم خاليو الذهن تماماً وغير منتبهين أنهم يفعلون شيئاً خاطئاً، دون أى شعور بالذنب أو تأنيب للضمير، ودون أى مؤشر أخلاقي ينبههم أنهم صاروا فى منطقة الخطر، وهذا ما يعني أنه ربما يكون أي منا مستدرَج في مثل هذه الأفخاخ الأخلاقية الخطيرة وهو لا يدري. والآية الكريمة تحذرنا: ((قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأخْسَرِينَ أَعْمَالا * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا)) (سورة الكهف)
ولهذا يبقى “سوء الأخلاق” هو السبب الرئيسى فى توسع وتفشي الكراهية. ويبقى “حسن الأخلاق” هو العلاج الإلهي الذي يكبح به المرء جماح انفعالاته السلبية، ويكبت به طاقة الغضب والحقد والكراهية، فلا يتمادى المرء فى إظهارها، وبالتالى لا يُعدي بها غيره، ويجعل لنفسه خط رجعة إذا هدأت نفسه وشُفي قلبه، فلا يتورط في أفعال يندم عليها ويصعب عليه التراجع عنها، فيلجأ – من ثَم – إلى تبريرها بمبررات عدة، ربما يكون الدين والقانون والأعراف والوطنية بعضها، وإذا حدث ذلك كان ذلك علامة على انطماس البصيرة والضلال المبين. لذلك يقول صاحب الخلق العظيم فى حديثه الشريف: (ذهب حسن الخلق بخيرى الدنيا والآخرة) ؟!!
فإذا كان يهمك أن تعرف هل إنت فى ضلال أم على هدى، إذا أردت أن تعرف سر أسرار النجاح في الدنيا والنجاة في الآخرة، فتش داخل قلبك. فمقدار ما وجدته من كراهية حتى وإن كان بمبرر رفض الشر وأهله، فذلك بالظبط مقدار ما بقلبك من ضلال. ومقدار ما وجدته من محبة وكل ما تعنيه المحبة من طاقة إيجابية فهو مقدار ما في قلبك من هداية، ومقدار رصيدك من النجاح والنجاة.
رُوى عن رابعة العدوية أنها سئلت : هل تكرهين الشيطان ؟
فقالت: إن حبي لله لم يترك في قلبي كراهية لأحد.

Categories:   أعمدة الرأى

Comments